اتصل بنا

Español

إسباني

       لغتنا تواكب العصر

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة | | اتصل بنا | |بريد الموقع 

 
   

 

 

 

 أربط بنا

وقع سجل الزوار

تصفح سجل الزوار

 أضفه إلى صفحتك المفضلة

 اجعله صفحتك الرئيسية

 
 
 
 

 

 

 

 
 القرش في البحر المتوسط
 

القرش

 

الجزء الأول

في العشرين من تموز يوليو من عام ستة وخمسين، خرج صديقان إلى خليج توماس في مالطا للسباحة.

على الميسرة جاك سميدلي، وهو مدرب في البحرية البريطانية، وعلى الميمنة طوني غريك، وهو طالب من أبناء مالطا.

لم يكن في الماء أي شخص آخر غيرهما.

لم يعثر على أي أثر لجاك سميدلي على الإطلاق، وقد عرف الآن أنه تعرض لهجوم قرش أبيض من الحجم الكبير.

فك في المتوسط.

في الستينات، وبعد فترة قصيرة من حادثة جاك سميدلي، تحول البحر المتوسط إلى جنان سياحية. فقد شجعت الصناعة السياحية العاملين في شؤون العطل على تحويل المتوسط إلى مسبح نقي واسع، خال من المد والجزر ومن الأعاصير ومن الأنياب الحادة.

عندما نتحدث عن القرش الأبيض الهائل نفكر بأماكن بعيدة جدا عنا، مثل كليفورنيا وأستراليا وجنوب أفريقيا. حيث يصل طولها إلى سبعة أمتار، لتزن طنان.

أي أن الحيوان المفترس الذي كان يعتقد بأنه يفضل العزلة والانفراد، أصبح يقال اليوم أنه من الأسماك الاجتماعية المعقدة،  المفترس الأكبر.

من المدهش ألا نعرف الكثير عن مدة عيشه، وكيفية توالده، وما هي المسافات التي يقطعها، ولكن كان المرء يعتقد أن البحر المتوسط بعيد جدا عن منالها.

ومع ذلك تم اصطياد هذا القرش الأبيض الهائل عام سبعة وثمانين في أحد موانئ الصيد في مالطا. طوله البالغ ثلاثة وعشرون قدم يجعله موازيا لأي حافلة نقل عام منفردة كتلك التي في لندن.

أصيب أحد علماء الأحياء البريطانيون بالدهشة عندما سمع بوجود سمك القرش في البحر الأبيض المتوسط، فقرر معرفة المزيد عن الأمر.

تحول إيان فيرغوسون إلى باحث عن القرش الأبيض.

الأنياب تختلف جدا، أنظر إلى عمق هذه..

إنه يعتقد أكثر من غيره من العلماء بأن القرش شائع الانتشار في الأبيض المتوسط، ولكنه يصر على إظهار ذلك على الخريطة. يساعده في ذلك باحث أمريكي في القرش الأبيض هو مارك ماركس.

يمكن أن تسجل في الواقع أنه قياس منحرف.

نغادر فاليتا المرفأ الرئيسي لمالطا مع حلول الليل، بحثا عن القرش الأبيض الهائل. سنقطع خمسين ميلا نحو الجنوب، أي نصف المسافة التي تفصلنا عن الشواطئ الأفريقية. عند الصباح سنكون في الوقع المحدد.

مع بزوغ الفجر يحين وقت العمل.

هذا خليط من ماء البحر البارد الممزوج بقطع من سمك الأسقمري المضحون. ينتشر الخليط الدهني عبر المسافات لإغراء القرش. كان حساء السمك مقبلات، والآن هذا هو الطبق الرئيسي.

إذا مر القرش من هنا سوف يغريه الخليط، ويجذبه نحو القارب، بينما ستتولى رؤوس التون إبقائه فترة طويلة تكفي لمارك وإيان لتصويرهما وتعليمهما، وأخذ نماذج لحمية منهما لتحليلها في المختبر.

غربت الشمس في يومنا الأول دون أن يحالفنا الحظ حتى الآن، يبدو الأمر كمن يبحث عن إبرة في كومة قش. مع أننا نبحث في موضوع جديد، فهذه أول مرة يحاول فيها العلماء البحث عن سمك القرش في البحر المتوسط.

مع بزوغ الفجر توجهنا إلى سوق السمك المحلي، من شبه المستحيل أن تحصل على معلومات عن سمك القرش في الأبيض المتوسط دون المجيء على ذكر القرش الأبيض. الحصول على المعلومات يعني النهوض باكرا والعمل بسرعة، قبل أن يصل السكين إلى عنق المعلومات القيمة.

أصبح إيان ومارك في سباق مع الزمن حيال تجار السمك.

أنف القرش، سبعة حراشف قرشية، وهي شائعة الانتشار في المياه العميقة التي تمتد من هنا وحتى شواطئ تونس. أي أنه نوع من القرش الذي يكثر في المياه العميقة. لدينا هنا القرش المزدرد، الأول ذكر والثاني أنثى. والثالث أنثى أيضا.

عثرنا في المستودع الخلفي للأسماك المبردة على شيء مثير جدا. إنه قرش درّاس يبلغ طوله ستة أقدام لم يسبق أن شوهد حيا في البحر. لو تأخرنا ساعات لتحول هذا الدليل القيم إلى شرحات من لحم السمك.

يبلغ مجموع أنواع القرش في المتوسط خمسة وأربعون نوعا. يرى صياد في القرش الذي يصطادونه كأي لحم عادي. أما في القدم فقد تعلم صياد المتوسط أن يتعامل مع القرش بخوف ورهبة.

يعود هذا المبنى الحجري الواقع على شواطئ مالطا الجنوب شرقي إلى عام ألفين قبل الميلاد.

وكان القرش الأبيض معروف لدى هذه الحضارات المبكرة التي كانت تهابه في حوض المتوسط، وخصوصا من قبل الإغريقيين القدامى.

كانو يسمونه لاميا، أي الوحش الهائل آكل اللحوم. وهي كلمة تتكرر عبر الزمن في الأساطير الإغريقية القديمة.

وكان هيروديتوس عام أربعمائة واثنين وتسعون قبل الميلاد أول من كتب عن مهاجمة أسماك القرش لبني البشر.

فقد تحدث عن تحطم الأسطول الفارسي على صخور آثوس في الشمال الشرقي من اليونان، وكيف كانت أجساد  البحارة الذين يسقطون في الماء تؤكل حية من قبل أسماك القرش. يمكن أن نعثر في هذه الفترة أيضا على أشعار يونانية مأساوية تتحدث عن قرش كبير  أكل ساقي غطاس إسفنج كان في طريق عودته من الأعماق إلى الزورق. وقد كتب الشاعر يقول أن هذه الضحية قد دفنت في البحر وعلى اليابسة في آن معا. قد يعرف البعض قصة جونا والحوت، ولكن إذا عدنا إلى النص الأصلي للترجمة سنرى أنه لا يأتي على ذكر الحوت على الإطلاق، بل يتحدث فقط عن حيوان بحري هائل. في القرن السادس عشر ادعى عالم الطبيعة الفرنسي غيلام روندليت بأنه عثر شخصيا في أمعاء قرش أبيض، على جسم بشري كامل النمو، ليوحي بأن من ابتلع جونا لم يكن حوتا بل لاميا أي قرش أبيض هائل.

مع بداية القرن نشرت مجلة لي بتيت باريسيان الفرنسية سلسلة من المقالات حول هجمات مؤكدة للسمك القرش في البحر المتوسط.

وقد سجلوا هجوما تعرض له غطاس إسفنج تونسي عام ألف وتسعمائة وتسعة، فقد فيه إحدى ساقيه.

هؤلاء النساء الأربعة تعرضن لهجوم بعيدا عن تريست إلى الشمال من البحر الأدرياتيكي، وقد ماتت إحداهن متأثرة بجراحها.

عام ألف وتسعمائة وتسعة وقع زلزال هائل في مسينا صقلية. قتل حينها مائة وخمسون ألف شخص، سحبت أمواج المد العاتية عددا كبيرا منهم إلى مياه البحر. يؤكد هذا التقرير العلمي الإيطالي أن صيادا أمسك بقرش أبيض بعد أسبوعين من ذلك على شواطئ صقلية بالقرب من أغوستا، وعندما فتحت أمعاءه عثر فيها على جثة طفل وشاب وامرأة.

هذه ساق امرأة من مفصل الركبة إلى أسفله.

وهنا بعض العظام، وحذاء أحد الرجال.

جرى تجاهل هذا التقرير العلمي الإيطالي الذي كتب عن قرش البحر المتوسط الأبيض، من قبل الجمعية الأخوة العالمية  للقرش الأبيض. تحدث العلماء الذين كتبوا بالفرنسية والإيطالية والعربية منذ زمن بعيد عن وجود القرش الأبيض هنا. ولكن مخطوطاتهم ما زالت مجهولة بالنسبة للعلماء الناطقين بالإنجليزية، ممن يستقرون في كليفورنيا وأستراليا وجنوب أفريقيا. لهذا يجهل زوار البحر الأبيض المتوسط وجود القرش الأبيض كليا فيه.

مع ذلك فقد تعرض أربعون شخصا منذ عام ألف وتسعمائة وتسعة لاعتداءات القرش الأبيض. أي عدوان واحد كل عامين. وقد أدى ثمانية عشر حادثا إلى موت ضحاياها.

بفضل الأبحاث التي قام بها فيرغوسون يمكن أن نتحدث اليوم بالتفصيل عن بعض هجمات القرش التي حصلت مؤخرا.

في الحادي والثلاثين من تموز يوليو من عام واحد وتسعين، أمضت إيكاسي يوما كاملا على شاطئ البحر في سانتا مارغاريتا شمالي إيطاليا.

ركبت الزورق وابتعدت قليلا في يوم جميل جدا. شعرت بضربة قوية أودت بي إلى الماء. وعندما صعدت إلى السطح شاهدت شيئا يتوجه نحو الشاطئ. ظننت من شدة الضربة أنها قنبلة قد انفجرت. حاولت السباحة للخروج من الماء، ثم رأيت شيئا أشبه بسمكة هائلة، كانت تسبح على سطح الماء تقريبا وقد تبين لي أنها هائلة جدا.

تبعتها السمكة لفترة شعرت أنها طويلة، ولكنها لم تلمسها.

كنت على مقربة من الشاطئ فرأيت امرأة تبكي طلبا للعون. نزعت القميص عني وهببت لنجدتها دون أن أعرف تحديدا ما أصابها. ثم رأيت زعنفة القرش تدور حول المركب. أصبت بالخوف الشديد مع إحساس بالسخافة أيضا، فقد ظننت أني أتخيل أشياء غريبة جدا، ولكن ما رأيته كان حقيقيا دون شك.

كان رأس القرش بهذا الحجم، أي أنه كبير جدا، وكان على مسافة عشرين سنتمتر مني. سبحت بعيدا عنه حتى أنقذني مركب مر صدفة من هناك. وقال من فيه أني كدت أحلق في الصعود إلى المركب.

حذر المستحمين من الشواطئ، وخرج الصيادون للنيل من القرش، وكتبت القصة على صفحا لندن تايم.

هذا هو الزورق الذي تعرض للاعتداء، سبق له أن عولج بالمعجون، ولكن علامات الأسنان ما زالت شديدة الوضوح. ولكن هل هي أسنان القرش الأبيض؟

بعد قياس المسافات التي تفصل بين الثقوب الناجمة عن السن والآخر، على الزورق هنا وفي أماكن أخرى، تبين أن سن القرش  الوحيد المسؤول  عن هذا الاعتداء متباعدة نسبيا. يلغي ذلك احتمال تورط مجموعات القرش التي تعيش هنا في بحر ليغوريان. التأمل في هذه العلامات والعودة إلى علامات مشابهة تركت على ألواح للتزلج من الألياف الزجاجية في كليفورنيا، يمكن القول ببعض من الثقة أخذا بعين الاعتبار وصف إيفان، أن الحيوان المسؤول عن هذا الاعتداء هو القرش الأبيض بالتأكيد.

ميول القرش الأبيض لمهاجمة الأشياء التي تطفو على سطح الماء يبرر الحادث الذي وقع في طريفا إسبانيا عام ألف وتسعمائة وست وثمانين.

تحول خوسي لويس بيريز دياس إلى أول متزلج على الماء في العالم يجرح من قبل قرش أبيض.

يعتبر القرش الأبيض فضولي بطبيعته.

ضرب القرش مؤخرة لوح التزلج، وما أن حاول لويس إعادة السيطرة عليه حتى عاد القرش ليعضه مرة أخرى وينتزع القدم معه.

يقع خليج براتي الخلاب على مسافة مائة ميل من روما وعلى شواطئ توسكاني. وقد شهد في شباط فبراير من عام تسعة وثمانين،  حادثا مروعا.

انطلق ثلاثة رجال من بيومبينو بالقرب من هذا لالمكان في تمام العاشرة صباحا، على متن مركب رسا على مسافة مائتي متر خلف هذا الحيد الصخري. كان لوسيانو كوستانزو أحد الرجال الثلاثة الذين على متن المركب وهو غطاس محترف، تكمن مهمته في ذلك اليوم إزالة بعض المواد الحيوية من على أسلاك كهربائية تمتد عبر الشاطئ هنا. عندما كان في قاع البحر يحاول إزالة هذه المواد، حدث شيء لن نعرفه أبدا. ولكن ما نعرفه بناء على اعترافات الرجلين الآخرين الذين كانا على متن المركب، وهما ابن  كوستانسو وصديقه الحميم، هو ان الغطاس خرج من الماء على عجل رافعا يديه في الهواء بحالة من الرعب التام، ثم حاول السباحة باتجاه المركب. أثناء سباحته نحو المركب يؤكد الشهود العيان ظهور قرش أبيض طوله ستة أمتار إلى جانبه ويدور من حوله، وقبل أن يتمكن كوستانسو من الوصول إلى المركب هاجمه القرش من الجانب الأيسر، وأخذ يهزه بعد أن عضه ثم غاص به إلى الأعماق.

سرعان ما وصلت مراكب الإنقاذ إلى هناك. هذا هو الفيديو الرسمي لأبحاثهم الذي لم يسبق أن عرض على العامة من قبل.

بدأنا نبحث مباشرة بعد وقوع الحادثة، فعثرنا على بعض البقايا هناك. وقد تم العثور عليها عندما شاهد الرجال نورس البحر يأكل شيئا في الماء.

غاصوا تحت الماء بكاميرا فيديو حيث عثروا على زعانف كوستانسو.

على مسافة مترين من الزعانف عثروا على قوارير الأكسجين إلى جانب حزام الغوص، دون أن يعثروا على أي أثر آخر له.

كان الحزام الملحق بالقوارير مربوط بعد. كما هو الحال بالنسبة لحزام الوزن أيضا. وكأن الشخص الذي كان فيها قد سحب بعنف من الحزامين والقوارير معا.

قيل حينها أن أسنان قرش أبيض تركت هذا الثقب في حزام الغطس هذا.

كما أن أسنان القرش تركت أثرا واضحا على قوارير الهواء عندما أمسك بلوسيانو كوستانسو وهزه بعنف.

جنت إيطاليا بحثا عن القرش.

وأخيرا توجه المزيد من الغطاسين للبحث عن بقايا ملابس كوستانزو أو أشلاء جثته.

عند عودة الغطاسين قالوا أنهم شاهدوا سمكة هائلة، على مسافة كيلومتر واحد من المكان الذي كنا نعمل فيه. ونصحونا بعدم العودة إلى الماء. كان لونهم شاحبا من شدة الخوف، ومعهم ابن السيد كوستانسو، الذي قال لقد وقع قتيل حتى الآن فلا داعي لأن تخاطروا بحياتكم للعثور على أثر لوالدي، فلا أريد أن يحدث ذلك لأي منكم. أعتقد من خلال ما رأيته ومن تجربتي الشخصية، أن قرش أبيض قام بهذا الاعتداء.

أكدت التقارير الرسمية في ميلانو أن قرشا أبيض قتل لوسيانو كوستانزو فعلا، ولا شك في أن القرش الأبيض يعيش هنا، فلماذا لا نعرف المزيد عنه؟

=-=-=-=-= نهاية الجزء الأول.

الجزء الثاني

يعترف العلماء في عالم اليوم بوجود القرش الأبيض في البحر المتوسط، ولكنهم يقولون أنه يزور الحوض صدفة، ويتجاهلون احتمال إقامته هنا.

يعتمد هذا الرأي جزئيا على قلة المعرفة بعادات الأكل التي يتبعها القرش الأبيض في أماكن أخرى.

هذه جزيرة داير في جنوب أفريقيا. تجذب مجموعات الفقمات هذه أسماك القرش الأبيض للغذاء، وبما أن القرش الأبيض يسكن هنا، فقد استقر العلماء المراقبين إلأى جانبه. وقد تحول ما شاهدوه يحدث هنا إلى اعتقاد سائد وتوقعات شائعة، تقول أن أسد البحر والفقمة هي وسائل غذاء القرش الأبيض في كل مكان.

ما يعني أن غياب الفقمات يعني غياب القرش الأبيض.

يعتبر القرش الأبيض الذي يبلغ وزنه طنين حيوان مفترس يعتمد على نصب الكمائن للفقمات قريبا من الصخور. ولكنه يفتقد إلى الرشاقة اللازمة لمطاردة الطريدة الأسرع في أعماق البحر.

كانت هذه الجزيرة الصغيرة الواقعة في البحر المتوسط في الماضي موطنا لنوع من الفقمات، ولكن بما أن أحدا لم يرى أي منها منذ عقود مضت، ساد الاعتقاد بأن القرش الأبيض قد تحول إلى جزء من الماضي أيضا.

لا يوجد إثبات يؤكد بأن القرش كان يتغذى على الفقمات في هذه المنطقة، ولكن رغم ذلك إذا تأملنا في هذا الكتاب الذي صدر مؤخرا ليعتبر بالنسبة للبعض دليل نهائي عن أنواع القرش الأبيض، يرد فيه حرفيا:" وجد القرش الأبيض في البحر المتوسط، ولكن على مدار قرون من الزمن، أدى استنزاف ثدياته البحرية إلى القضاء على غالبية موارد غذاء القرش الأبيض، وهكذا فهي تعتبر نادرة جدا هناك.

ولكن معلومات فيغوسون تؤكد أن أعداد القرش كبيرة جدا، فهناك أكثر من مائتي عملية صيد ومشاهدات لسمك القرش منذ أن بدأ تسجيلها عام ألف وثمانمائة وخمسين. وقد سجل السواد الأعظم منها على الشواطئ الشمالية للمتوسط،  وخصوصا على شواطئ إيطاليا وبحر الأدرياتيك في يوغوزلافيا السابقة. أما اليوم فقد سجل انتقال لها إلى وسط المتوسط، وجنوب إيطاليا وصقلية ومالطا، وشواطئ شمال أفريقيا. هناك منطقة غنية بالقرش الأبيض تحيط بجزيرة فابينيانا، الواقعة غربي صقلية.

نحن في الطريق لإلى فابينيانا، موطن القرش الأبيض. يعتقد فوغوسون أن المتوسط يمكنه احتمال القرش الأبيض رغم غياب الفقمات. ولكن لتأكيد مقولته عليه ا، يحدد ما هو نوع الغذاء الثابت الذي يعتمد عليه. وعليه أيضا أن يحدد مكان توالدها إن كانت تتوالد هنا. رغم أن فابينيانا هي مكان انتشار سمك القرش فعلا، فإن فإن فيرغونسون وماركس هما أول الباحثين في زيارة ميناء الصيد هذا، للاطلاع على ما يعرفه الصيادين هنا عن سلوك القرش الأبيض في المتوسط.

إنه موسم الماتنسا، الذي يشهد المذابح التقليدية لسمك التون، والتي أخذت عمليات قتل عصابات المافيا الاسم منها.

توضع التونارا في وسط الخليج، وهي خيوط هائلة من الشباك الغارقة التي تعترض التون أثناء هجرته عبر الخليج، فتوقعها في هذا الممر الضيق من الشباك  الذي لا مخرج منه.

ينتهي بها الحال في كامرا دي مورتي أي غرفة الموت، التي تتمتع بأربع جدران وأرضيه. تشكلت ثلاث جدران من الشباك بالزوارق من الخلف. وفي هذه المرحلة يتأكدون من الشباك التي خارج غرفة الموت، ليعثروا أحيانا على القرش الأبيض، عالقا فيها. أي أنه كان يسعى خلف سمك التون  أيضا.

يقول أن آخر وقع سنة ثمانية وسبعين، وهو يذكر جيدا أنه عام ثمانية وسبعين لأنه كان حينها يوميا في مركب الميمنة، على عمق ثلاثين مترا حيث عثر على ذلك القرش في القاع.

هل كان في القاع؟

يقول أنه على عمق يقارب واحد وثلاثين مترا.

عام ثمانين عثروا على قرش أبيض آخر في الشباك. فحملوه إلى شواطئ فابينيانا، فتحوا أمعائه، فتبين لهم أنه كان قد أكل دلفين صغير.

عام سبعة وثمانين عثروا على قرش أبيض آخر، كانت أنثى طولها خمسة أمتار ونصف المتر، ووزنها حوالي طنين. وقد عثروا في بطنها على دلفين أكبر.

أكثر الحيوانات نضوجا.

آخر دلفين تم اصطياده كان عام ثمانية وثمانين وقد عثروا في أحشائه على دلفين وزنه مائتي كيلوغرام وقد انشطر من نصفه، أي انه كان جزءان. كان هناك اثنان وقد أمسكا بأحدهما وهو الأنثى أما الثاني فكان الذكر. وقد علقت الأنثى في المرحلة الأولى من غرفة الموت، أعني المرحلة الأولى من عملية الممر التي تؤدي إلى السمك، وتبين لهم أنها كانت ميتة، فأخرجوها من هناك على الفور. نزل أحد الغطاسين فيها وتأكد من وجود قرش آخر هو الذكر، وأخذوا يقطعون الشباك لإخراجه، أي أنه كان حيا عند اكتشافه فأطلقوا عليه النار ولكنه تمكن من الفرار.

هل تعني بذلك ان القرش الذي تمكن من الفرار كان ذكرا؟

تماما بالتأكيد.

أصعب عمل في التونارا هو قيام الغطاس بالكشف عن الشباك. فالربط بين الأنثى والذكر للقرش الأبيض في فابينيانا بلغ حدودا جعلت العامة يطلقون مثلا يقول: إذا  رأيت أنثى، أنظر من حولك، لن يكون الذكر بعيدا.

هل سبق لكليمنت أثناء اصطياده للتون أن شاهد إحداها حية بعد وقد تعرضت لعضة قرش.

نعم شاهد ذلك.

وهل يتكر ذلك؟

مرة أو اثنتين في العام. 

لقد شاهد واحدة هذا العام إذ جرت هذه السنة متانسا واحدة وقد شاهد سمكة تون وقد تعرضت لعضة كبيرة..

هل يجد العضة في المكان نفسه من التونا دائما؟

أحيانا ما تكون عند الذيل، وأحيانا..

 أحيانا ما تكون خلف الرأس؟ هذا شيق جدا.

وأحيانا عند الزعانف عند بداية زعانف التون.

بين عامي ثلاثة وخمسين وثمانية وثمانين أمسك صيادو فابينيانا بستة عشر قرش أبيض، كانت جميعها تتبع التون إلى داخل الشباك. توحي عضات التون بأنها تطارد وتؤكل من قبل القرش الأبيض. كما أن العثور على الأنثى والذكر حول التون، يوحي بأنها تولم على التون أثناء تزاوجها.

أي أن التون بالنسبة للقرش الأبيض هو أشبه بمطعم جيد يلتقون فيه للتزاوج.

تعارض أبحاثنا الفكرة السائدة التي تقول بأن القرش الأبيض مفترس مرتبك. فلا بد  أن يتمتع بالرشاقة والسرعة كي يتمكن من اصطياد التون. وهو يستخدم  لونه العلوي الداكن ببراعة للتمويه في الأعماق. بينما يعتمد على نظره الثاقب لاصطياد التون  بتعريض شكلها للضوء.

توشك المتانسا على بدايتها الفعلية.

يسحب الصيادون الشباك التي تؤدي إلى خارج الغرفة، لتقفل الباب على غرفة الموت.

تعتبر المتنسا عملية دموية، إنهم يصطادون التون على هذا النحو منذ العصور الوسطى.

ولكن الموسم في تضاؤل.

لم يصطادوا أكثر من أربعين سمكة اليوم، علما أن المتنسا في الماضي كانت تجمع أكثر من ثلاثمائة تون.

من المحتمل جدا أن يكون هذا آخر عام بالنسبة لهم.

هناك أوقات عصيبة تنتظر النوعين الأساسيين اللذان يعيشان على التونا وهما الدلفين والقرش الأبيض.

هذه هي الدلافين. لا يكاد المرء يصدق بأن حيوان من الثديات الرشيقة والاجتماعية وبالغة الذكاء كهذه يمكن أن تقع فريسة دائمة للقرش الأبيض. ولكن ثمانين بالمائة من أسماك القرش الأبيض التي صيدت في المتوسط  عثر في أمعائها على الدلافين. علما أن العلاقة بين القرش الأبيض والدلافين تعتبر قديمة مثل هذا البحر تماما.

هذا هيكل عظمي متحجر لدلفين يبلغ من العمر ثلاثة ملايين عام. الندوب والخدوش التي على العظام تؤكد دون مجال للشك بأنه تعرض يوما لعضات القرش الأبيض.

لدينا هنا ثلاثة أنواع من ديناميكيات وقع الأنياب،  جرت أحدها بطريقة تنتزع معها أجزاء من العظام. وترك الأسلوب الآخر علامة لحركة مستديرة ومعقدة للسن. أما النوع الآخر فهو بترك تأثير القطع المباشر على قاعدة المنطقة التي ينزل فوقها حسب توزيعه على العظام، ما يوحي بأن الدلفين تعرض لهجوم مباشر من  أسفل وعلى الجانب الأيمن منه. توحي علامة العضة بأن القرش الأبيض هو المسؤول عن هذه الهجوم، ومن المحتمل جدا أن يكون نوع من القرش الذي يصل طوله إلى أربعة أمتار ونصف المتر.

تقع محطة الأبحاث البحرية هذه على مسافة ثمانية أميال من فينيسيا. وقد جاء القرش الأبيض عام ثمانية وسبعين إلى هنا  لزيارتها.

كنا من هذا الموقع ننظر إلى الخارج فرأينا اثنتين من الزعانف تتحركان على إيقاع متناسق، على مسافة تتراوح بين أربع أو خمسمائة متر من هنا. وبدأنا نناقش ما إذا كان قرشا أم لا.

سرعان ما اختفى القرش وعادوا إلى الداخل، ونسوا الأمر تماما ثم تابعوا الغداء.

وفجأة تعرضت البنية بكاملها إلى صدمة قوية، أسقطت الصحن من يدي على الأرض.

تعرضت البنية إلى ضربة مباشرة من جسم قرش يبلغ وزنه أكثر من طنين. تمكن د. كفليري من الخروج والتقاط صورتين للقرش.

بعد لحظات من ذلك شاهدنا قطعة من دلفين بالقرب من البرج.

كان قد وضع أنيابه ليعض الدلفين من الوسط ومن الميمنة أيضا حيث ترك أثرا لأنيابه.

كان ما زال يتحرك ولكن من الواضح جدا أن القرش قد خلفه وراءه.

يبدو أن القرش قد تقيأ الدلفين. ليؤكد بالإثبات الدامغ أن الدلافين هي الغذاء الرئيسي لسمك القرش الأبيض في حوش المتوسط.

=-=-=-=-=-=-= نهاية الجزء الثاني.

الجزء الثالث.

عاد فيرغوسون إلى فابينيانا لحل جزء آخر من اللغز. إذا كان القرش الأبيض يتوالد في المتوسط ففي أي مكان يفعل ذلك؟ لقد عثر على دليل حيوي مرسوم على جدار حديقة خلفية لأحد الصيادين.

يوجد بعض الصور الأصلية هنا عن  الزعانف التي قطعت ووضعت على الجدار،   يمكن أن ترى  بعض الانكماش.

يمكن أن ترى الجوانب هنا أيضا وهي في الواقع..

..فعلا...تنفصل عن الجدار.. كما يمكن أن ترى الكتابة بوضوح تام، وهي تقول سكوالو بيانكو أي القرش الأبيض، أنثى ألفي كيلو غرام تقريبا، وهنا طوله خمسة أمتار وخمسة وثلاثين سنتيمترا، التاريخ الثامن من أيار ماي من عام سبعة وثمانين.