اتصل بنا

Español

إسباني

       لغتنا تواكب العصر

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة | | اتصل بنا | |بريد الموقع 

 
 

 

 

 

 أربط بنا

وقع سجل الزوار

تصفح سجل الزوار

 أضفه إلى صفحتك المفضلة

 اجعله صفحتك الرئيسية

 
 
 
 

 

 

 

 
 "رواية أشواك الجليل" الفصل الثالث عشر
 

الميت الحي

      

عادت عفاف تخترق الصمت مرة بعد أخرى محاولة تحطيم الجمود الذي أخذ يصيب كفاح وهو قابع إلى جانبها كالصنم. ضاقت بأعذاره التي ما عادت تطاق وهو يتجنبها ويحاول التهرب منها كل ليلة خميس حتى يبدو كلوح الجليد الذي لا يتحرك فيه إلا شفتاه.

يقص عليها بطولاته وكفاحاته وكل أشكال النضال التي مر بها مذ خرج من فلسطين، محاولاً إخفاء عجزه وشدة خيبته وبؤسه وإحباطه وقلة حيلته ويأسه وإذعانه لمشاعر الخوف والذعر التي انعكست رغبة لدى الجميع بالفرار، وما يتملكه من مرارة لتخاذل العرب والمسلمين عن تقديم الدعم اللازم للفلسطينيين.

لم تكف عفاف عن حثه على الالتفات إليها وترك القضية جانباً ولو لخميس واحد، وهو لا يكف عن لهجته الساخرة في التحدث عن الأحزاب والمنظمات والتجمعات النضالية التي خذلته الواحد بعد الآخر، بدءاً من لحظة انضمامه إلى مجموعة الخمسة عشر مناضلاً الأولى في الجليل وحتى يوم قراره بالرحيل.

تذكر ذلك اليوم بإشراق وكأنه استعاد فحولته فجأة وهو يحدثها عن رغبته بالرحيل لمدة لا يعرفها إلا الله وأنه قد لا يعود. لم يخفها ذهابه إلى إخلاص، كانت تدرك ما بينه وبين صالح من قلة ود ومحبة، جل ما أخافها أن يعود إلى مغامراته النضالية التي لم تجلب له إلا الهزيمة والخيبة والإحباط.

كانت تتمنى لو تنهمر دموعه كالنساء فيستريح، لكن الرجولة أبت عليه إلا أن يحبسها في المقلتين، فهو يرى أن ترك الألم يذبح في صدره أفضل من البكاء كالنساء. عاد يروي ويتذكر ما أصابه عام النكبة وانخراطه في المقاومة، عاد يحدثها عن بدايات الحرب في فلسطين واقترابها تدريجاً من حيفا ويافا وعكّا وصولاً إلى قرى الجليل.

حدثها عن مجيء الشيخ أبو رضوان إليه يقول إن شخصاً جاء من سوريا لتشكيل مجموعة من خمسة عشر رجلاً من خيرة أبناء المخيم الوطنيين والمستعدين للمقاومة، وقد اعتبروه واحداً منهم. تحدث عن تلك التجربة ومشاعر الفخر والخيبة تتناوب عليه في آن معاً، وكأنه في حالة من الهذيان.

      كانت تتمنى لو تستطيع وقف حبل أفكاره لتريحه من تلك الذكريات، لم تشأ التحدث عن خشيتها عليه من نوبة قلبية أخرى تقضي عليه كلياً هذه المرة، فهو يرفض الاعتراف بالمرض، ويصر على قوة عزيمته وصلابته، كما يصر على احتضانها ليلة الخميس كأنه يحاول إثبات رجولته.

عاد يتحدث عن اجتماعهم برئيس الأركان السورية حينها برهان بولص، بحضور محمد عبد الله خليفة والشيخ أبو جاسم، وعما طرح عليهم من دعوة لتلقي دورات تدريبية على القتال للعمل على تحرير فلسطين، وكيف أبدى الجميع استعداداً وحماسة.

باتت تجهل الحقيقة من الهذيان وهي تصب القهوة كلما فرغ فنجانه وتأتيه بالماء كلما تحشرجت الكلمات في حلقه. كان تلك الليلة أشد حماسة وتوتراً من أي وقت مضى، حتى إنها حين تذرعت بالمرض لتخفف عنه، نهرها مذكراً بما له من حق عليها في تلك الليلة.

تركته يسهب في الكلام فقال: "خرجنا سراً من لبنان عن طريق بلدة حدودية تعرف بالصويلة، وتوجهنا إلى القنيطرة في سوريا حيث تلقينا تدريبات في فوج الهندسة لمدة شهرين، حصلنا بعدها على تصريح بحرية العبور لمدة ستة أشهر كتب عليها أننا من أبناء التابعية السورية. عدنا بعد دورة التدريب إلى لبنان، ولم نعاود الذهاب إلى سوريا إلا عام ستة وخمسين حيث أجرينا دورة تدريبية أخرى في قطنا رأس العين، ضمن فوج الهندسة أيضاً".

بدأ العرق يتصبب من جبينه وعيناه تلمعان دون أن تدري إن كان ذلك من احتباس الدمع فيهما أو من شدة الشغف. كما أخذ يتأوه بين الحين والآخر، وما إن يتوقف عن الكلام برهة حتى يعاود من حيث انتهى، كأنه يفاخر بتلك الصفحات الناصعة من حياته، ويتكتم على ما تخللها من آلام.

ثم عاد يقول "طوال الفترة ما بين أربعة وخمسين وستة وخمسين قمنا بعدد من الدوريات الاستطلاعية لمجموعة من العناصر الجدد الذين التحقوا بنا دون أن نعرف العديد منهم. كنا ندلهم على منطقة الجليل عموماً. كثيراً ما خرجت مع ثلاثة رجال منهم بصحبة دليل آخر تجنباً لاحتمال تعرض أحدنا للموت".

"كنا نصل بالمجموعة حتى حدود القرى المحيطة بمدينة عكا، بدءاً من منطقة يارون عبر بنت جبيل وصولاً إلى وادي القرن وانتهاءً بقرى صفد ودير الأسد وغيرها. كنا نتحرك ليلاً وننام نهاراً. كنت أخرج مع المجموعة الواحدة مرتين حتى تبدأ بالخروج مع مجموعات أخرى بدوريات استطلاعية للتعرف على المواقع الجغرافية فحسب".

تحدث عن تلك المرحلة بمرارة وفخر، تحدث عنها والعرق يتصبب من جبينه بارداً، كما أخذت أطرافه تبرد تدريجاً وبدأت الزرقة تحيط بشفتيه وهو يجهد في الكلام ويلتقط أنفاسه بصعوبة واضحة. رجته عفاف الكف عن الكلام بل توسلت إليه الاستراحة ولو موقتاً، ولكن دون جدوى.

شرب قطرة ماء ليكمل حديثه بالقول: "كأنها عمليات تحضير لحروب عصابات طالت سنوات لم نشتبك فيها مع الصهاينة إطلاقاً. كنا نحمل أوامر بعدم الاشتباك معهم إلا إذا أجبرنا على ذلك. ولكنها كانت منطقة خالية من الصهاينة وكأنها مهجورة كلياً. حتى إننا كنا نعبر مسافة أميال طويلة والبنادق محمولة على أكتافنا دون أن نرى صهيونياً واحداً... لو حارب العرب حينها لانتصرنا".

       قال ذلك ثم توقف عن الكلام المباح. وكأنه آخر ما لديه من كلام، وكأنها الحقيقة المرة التي آلمته عميقاً. فامتد لسانه وعجز عن إقفال فمه الملتوي وارتجف رمش عينه اليسرى حتى أغمضت كلياً، واسترخى معها ذراعه وساقه الأيسران، ليصبح كفاح بحالة وصفها الأطباء في ما بعد بالشلل النصفي الدائم...

 

=-=-=-=-=-=-=-نهاية الفصل الثالث عشر.

© 2004-2009. All Rights Reserved-كافة الحقوق محفوظة للمؤلف

طار وارتفع

 

[محتويات]  [إهداء]  [شكر]  [مقدمة] 
[الفصل الاول]  [الفصل الثاني]  [الفصل الثالث]  [الفصل الرابع]  [الفصل الخامس] 
[الفصل السادس]  [الفصل السابع]  [الفصل الثامن]  [الفصل التاسع]  [الفصل العاشر] 
[الفصل الحادي عشر]  [الفصل الثاني عشر]  [الفصل الثالث عشر]  [الفصل الرابع عشر] 
[ملاحظات وعتاب] [كلمة حفل التوقيع]  [كلمة وزير الثقافة] 
[نص الوكالة اللبنانية للأخبار]  [نص جريدة المستقبل]  [كلمة رفعت شناعة]  [نص جريدة الديار] 
[نص جريدة البيرق]  [نص جريدة اللواء]  [نص جريدة البلد]  [نص جريدة الشرق] 
[كلمة سلوى سبيتي]
  [كلمة د.نبيل خليل]  [صحيفة صدى البلد] 
[حفل توقيع الكتاب في بيروت]  [حفل توقيع الكتاب في صيدا] 

 

 
 
 
 




Hit counter
ابتداء من 20 آب 2005

 

 

 

 

 

من نحن | | إبدي رأيك | | عودة | | أرسل الى صديق | | إطبع الصفحة  | | اتصل بنا | | بريد الموقع

أعلى الصفحة ^

 

أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5

© جميع الحقوق محفوظة للمؤلف 1423هـ  /  2002-2012م

Compiled by Hanna Shahwan - Webmaster